محمد هادي معرفة

446

التفسير الأثري الجامع

ولكن عندما يتعلّق الأمر أو النهي بعادة وتقليد ، أو بوضع اجتماعيّ معقّد ، فإنّ الإسلام يتريّث به ويأخذ المسألة باليسر والرفق والتدرّج ، ويهيّئ الظروف الواقعية الّتي تيسّر التنفيذ والطاعة . فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك ، أمضى أمره منذ اللحظة الأولى ، في ضربة حازمة جازمة ، لا تردّد فيها ولا تلفّت ، ولا مجاملة فيها ولا مساومة ، ولا لقاء في منتصف الطريق . لأنّ المسألة هنا مسألة قاعدة أساسيّة للتصوّر ؛ لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام . فأمّا في الخمر والميسر فقد كان الأمر أمر عادة وإلف . والعادة تحتاج إلى علاج . فبدأ بتحريك الوجدان الدينيّ والمنطق التشريعيّ في نفوس المسلمين ، بأنّ الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع . وفي هذا إيحاء بأنّ تركهما هو الأولى . ثمّ جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ « 1 » . والصلاة في خمسة أوقات ، معظمها متقارب ، لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة ! وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العمليّة لعادة الشرب ، وكسر لعادة الإدمان الّتي تتعلّق بمواعيد التعاطي ؛ إذ المعروف أنّ المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدّر في الموعد الّذي اعتاد تناوله . فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرّر هذا التجاوز فترت حدّة العادة وأمكن التغلّب عليها . حتّى إذا تمّت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر والميسر : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 2 » . وأمّا في الرقّ مثلا ، فقد كان الأمر أمر وضع اجتماعيّ اقتصاديّ ، وأمر عرف دوليّ وعالميّ في استرقاق الأسرى ، وفي استخدام الرقيق . والأوضاع الاجتماعيّة المعقّدة تحتاج إلى تعديل شامل لمقوّماتها وارتباطاتها قبل تعديل ظواهرها وآثارها . والعرف الدّوليّ يحتاج إلى اتّفاقات دوليّة ومعاهدات جماعيّة . ولم يأمر الإسلام بالرقّ قطّ ؛ ولم يرد في القرآن نصّ على استرقاق الأسرى ! ولكنّه جاء فوجد الرقّ نظاما عالميّا يقوم عليه الاقتصاد العالميّ ، ووجد استرقاق الأسرى عرفا دوليّا ، يأخذ به المحاربون جميعا . فلم يكن بدّ أن يتريّث في علاج الوضع الاجتماعيّ القائم والنظام الدوليّ الشامل . وقد اختار الإسلام أن يجفّف منابع الرقّ وموارده حتّى ينتهي بهذا النظام كلّه - مع الزمن - إلى

--> ( 1 ) النساء 4 : 43 . ( 2 ) المائدة 5 : 90 .